أخوانى وأحبائى :
أقدم لكم أعتبارا من هذا الإدراج بعض من مجموعات قصصى القصيرة وسأبدأ معكم بالمجموعة القصصية " صمت الأفواه " وقد كتبتها عام 1975 فأرجو أن تنال إعجابكم .
المجموعة القصصية " صمت الأفواه " تحتوى على عدد " 5 " قصص قصيرة هى:
* صمت الأفوه.
* الحب فى الطابور.
* جسد بلا روح.
* رجل قتل نفسه.
* من يعرف ضاحى.
مقدمة
قد تأتى لحظة على الإنسان لا يستطيع أن يتكلم أو يعبر ليدافع عن نفسه فيُظُلم وعندما يفيق من الغيبوبة التى إنتابته خلال تلك اللحظة يكون من الصعب عليه أن يثبت إنه ظُلم فيتفاقم جرح الظلم ويعيش فى الحياة مكسورا بلا روح وكأنه جثة بها بقايا نبضات تلفظ أنفاسها الأخيرة وإن حاول الخروج من كبوته تردد وإن قرر يجد نفسه أمام سكين كلام البشر تنهال عليه طعنا فى جنباته فيضطر للقرار الذى يدفعه إليه الشيطان بكل قوة موسوسا له بأنه فى الحقيقة شخص ميت .
عادل إدريس
صمت الأفواه
أنتظر والده منه أن يفاتحه فى أمر زواجه بعد أن حصل على ليسانس الحقوق فقد بلغ الثانية والعشرين ولولا دراستة الجامعية لتزوج وأنجب طفلين أو ثلاثة كأخويه اللذان يكبراه إلا أن سعدون لم يشغل باله بهذا الموضوع وكلما عرف من والدته أن والده الحاج كيلانى يبحث له عن عروس وخاصة أن بنات العائلة اللآئى فى سن الزواج كلهن تزوجن يتحجج بالسفر للقاهرة لإنجاز بعض الأعمال الخاصة بقيده بنقابة المحامين أو خلافه من الحجج التى يخترعها ويقنعه بها .
عرض الحاج كيلانى أمر بحثه عن عروس تليق بأبنه سعدون على أصدقاءه ليدلوه عن عروسة تليق بأبنه من القبائل والعشائر الأخرى فرحبوا بذلك وخاصة أن الحاج كيلانى من كبارات البلد والكل يحترمه لقوة شخصيتة علاوة على أنه من أكبر تجار الحبوب وبعد فحص وتمحص وقع أختياره على رابحة بنت الحاج شمندى من كبارات إحدى القبائل المجاورة فهى تليق بأبنه حسبا ونسبا فالحاج شمندى من أكبر تجار البلح على مستوى بر مصر فهو يملك من أشجار النخيل ما لا يرمقه بصر ولا يحصى عددا وأبنته رابحة التى لم تبلغ السادسة عشرة من العمر لم تستكمل دراستها فقد حصلت على الابتدائية ووفقا لقانون الحاج شمندى فهو يرى أنه عندما تبدأ أنوثة البنت فى الظهور يجب أن تبقى بالمنزل لتنضج على مهل بعيدا عن عيون الشمس المحرقة وهكذا فعل مع أخواتها الثلاث حتى تزوجن وحقا كان على حق فجمالها الفرعونى تراه فى عينيها وخديها يلمعان كما المرآه إذا جلست كأنها الملكة وعندما تمشى فلا تنزعج الأرض من خفة قدميها تتحدث على قدر ما تسأل وصوتها تكاد تسمعه وعندما فاتح الحاج كيلانى الحاج شمندى فى أمر زواج أبنه سعدون من رابحة رحب ووافق على الفور وأتفقا فى كافة الأمور ولم يتبقى إلا حضور العريس وكبارات العائلتين لقراءة الفاتحة وتحديد موعدا للزفاف وهذه هى المرة الأولى التى تتزوج فيها أحدى بنات عائلة شمندى من خارج القرية وكان هذا من حسن حظ الحاج كيلانى إذ ليس بالقرية شاب لم يتزوج بعد ولا يوجد من هو حتى أقرب لسن رابحة أو يكبرها والوحيد الذى كان من الممكن أن يتزوجها هو أبن خالها ويعمل بأحدى البلاد العربية وقد خرج عن المألوف فقد تزوج من شقيقة أحد الأصدقاء الذين يعملون معه هناك وقد أنقلبت عليه العائلة وأصبح من المهشين عائليا.
عاد الحاج كيلانى لبيته ليزف الخبر لزوجته وعلى الفور أمر بسفر أكبر أبناءه للقاهرة ليخبر سعدون ويحضره معه ، فهو يعرف أنه لن يحضر إلا فى وقفة العيد أى بعد أكثر من شهر ويعتبر ذلك وقتا طويلا ، وما أن وصل شقيقة و فاتحه بقرار والده رفض سعدون هذا القرار وأعلن العصيان وبعد مناقشات مضنية وافق أن يسافر على أن يقنع والده بعدم رغبته فى الزواج فى الوقت الحالى فهو يريد أن يفتح مكتبا للمحاماة وأن يكون مشهورا كما أنه ينوى أن يستكمل دراسته لنيل الدكتوراه وكل هذه الأمور تحتاج لتفرغ كامل دون أن يشغله شاغل والزواج فى حد ذاته سيكون أكبر شاغل له وحتى لو فكر فى الزواج يجب أن تكون عروسته متعلمة و بدرجة عالية .
وصل سعدون لبلدته فما أن رآه والده ظهرت علامات الرضاء والفرحة على وجهه إلا أن سعدون لم تظهر على وجهه أية علامات تدل على فرحته بالزواج فقال له والده :
- حمد لله على سلامتك ، شايفك مش فرحان؟.
- إزاى مش فرحان وأنا وسط ناسى.
- أخوك قال لك على العروسة.
- أيوه قال لى.
- وأيه رأيك؟.
- يا حاج أنت عارف أنى عايز أكون حاجة تانيه، يعنى عايز أكمل تعليمى لغاية الدكتوراه.
- وأيه يمنع ، هو الجواز ها يمنع عنك الدكتوراه؟.
- مش قصدى ، لكن أنا شايف أنه لسه بدرى لحد ما أدبر نفسى.
صمت الحاج كيلانى ونظر لسعدون بأستياء وقال:
- تدبر نفسك فى أيه يا ولدى ؟.
- قصدى أدبر مكان وده مش سهل.
- مكان أيه اللى أنت عايز تدبره ، المكان هنا واسع وزى أخواتك ، عايشيين ومبسوطين والخير كتير ، ولا عندك كلام تانى؟.
- أنا قصدى أنى أدبر مكان فى القاهرة .
- ليه هو أنت ناوى تعيش هناك.
- علشان أكمل الدراسة يبقى لازم أكون هناك.
- يعنى ناوى تهجر البلد وناسك .
- غايتى وعايز أحققها.
وقف الحاج كيلانى منفعلا ووجهه يعلوه الغضب وخرج تاركا سعدون وشقيقاه .
صمت يخيم على المكان .
حاول أحد أشقائه أن يتكلم معه فأزاح وجهه عنه وأسرعت والدته خلف والده وخرج خلفها شقيقاه و جلس سعدون وحيدا محدثا نفسه يفكر فى حل لهذه الورطة التى ستحول بين أستكمال تعليمه .
لا يوجد مخرج ،هكذا قال فى نفسه ، فوالده يصر على زواجه، كما أنه لم يرى عروسته هل ستكون جميلة مثل بنات القاهرة؟ أم أنها على هوى والده و البنات عنده كلهن جميلات طالما من عائلة ذات حسب ونسب وجاه ومال.
تساءل ، ماذا أفعل هل أرفض رفضا قاطعا وأواجه والدى ؟ ولكنه سوف يغضب غضبا شديداً .
ظل هكذا محتارا إلى أن دخلت والدته، جلست حزينة ، الدموع تنساب من عيناها ، قام وتقدم ناحيتها ، قبل يداها فقالت له:
- أبوك أتفق مع الحاج شمندى وأنت عارف يعنى أيه أتفاق الرجال يا أبنى.
- أنا عارف يا يُمه ، بس أبويا كان لازم يقول لى قبل ما يتفق.
بادرته قائلة:
- تقصد كان لازم ياخد مشورتك ، ومن متى أبوك بياخد مشورة حد منكم ، ما أخواتك أتجوزوا ولا أخد مشورتهم ولا يحزنون ، كلامك واعر ومش داخل دماغى، أنت لازم غويت من القاهرة صح يا ولدى؟.
- يا يُمه أنا لا غويت من القاهرة ولا فى نيتى الجواز من أصله، أنا عايز أشوف مستقبلى.
- وأبوك ، وكيف يكون بين الناس ، ده كبيرهم ، أنت عايزه يقع ويطب ساكت.
- يا يُمه لا يقع ولا يطب بأذن الله ، أنا كنت بأقول أروح معاه ونعتذر للحاج شمندى.
هبت والدته واقفة وخبطت صدرها بيدها قائلة:
- يروح يعتذر ! أنت عارف مين الحاج شمندى يا ولدى.
- يا يا يُمه عارف ، وعارف كمان أن ده صعب على أبويا .
- لما أنت عارف كده عايز أبوك يطاطى راسه ليه بين الناس،أنت باين عليك أتخبلت فى عقلك من قعدتك لحالك.
صمت سعدون ولم يتكلم ، قامت والدته وجلست بجانبه وأحتضنته وقالت له :
- قوم يا ولدى وروح قبل يد أبوك اللى عايز يفرح بيك قبل ما يلاقى ربه.
- أقبل يده آه ، ولكن موضوع الجوازة دية مستحيلة.
- دماغك ناشفة يا سعدون ، وأبوك دماغه أنشف منك والحكاية مش ها تعدى بسهولة.
- يبقى أسافر من غير ما أقول له.
- مش قلت لك أنك أتخبلت فى عقلك ، أنت عايز أبوك يغضب عليك ليوم الدين.
- أنا عارف أبويا ها يقدر يتصرف .
- أبوك ها يتصرف إزاى ، هى الحكاية بسيطة زى ما أنت شايفها ، وبعدين هو أنت شفت العروسة علشان ترفض،البنت زينة و قمر ومليحة كمان.
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ